قد يرى في هذا المستجد استفاقة ضمير أو أخلاق ادت الى العودة عن خطيئة والتراجع عن جريمة العدوان، ولكننا نرى ان السبب الحقيقي الذي قاد الى هذا التحول يستجيب للمثل القائل «حصرم رأيته في حلب» المثل الذي يضرب في من عجز عن بلوغ شيء عمل من اجله أو تمناه فاعرض عنه مظهرا التعفف والترفع. وبالتالي فاننا نعتبر هذا الموقف من الحل السلمي الآن – من اعداء سورية - نوعا من اعلان العجز والاقرار الضمني بفشل المحاولات السابقة، دون ان نسقط احتمال الخديعة التي يريد اصحابها كسب الوقت علهم ينجحون في تجربة جديدة. وهنا نسأل عن امكانية اعادة التجارب؟... وبعدها في اي سيناريو قد يكون الحل السلمي؟
بالعودة للماضي نجد أن جبهة العدوان على سورية تقلبت في محأولات متتابعة لبلوغ هدفها الاساسي المتمثل بنقل سورية من موقعها الاستراتيجي الى الضفة المعاكسة، وانطلقت في البدء متوسلة طريقة «الثورات الاميركية الملونة»، لكن الشعب السوري الواعي خذلها ، فانتقلت الى محأولة تشويه صورة السلطة وقواتها المسلحة عبر ارتكاب المجازر لالصاقها بها ثم استدراج القوى الرسمية للقيام بعمليات انتقامية تؤدي الى ابتعاد الشعب عنها، وأيضا فشلت المحاولة بعد ان اظهرت السلطة حكمة وعقلانية واظهرت القوات المسلحة مناقبية وانضباطا تسبب لها حيانا ببعض الخسائر التي كان يمكن تفاديها لو لجأت الى الاسلوب الاميركي أو الغربي بشكل عام في اتخاذ التدابير الاستباقية أو الانتقامية. ثم كانت المحاولة الثالثة عبر الجامعة العربية لتكرار الطريقة الليبية، لكن الطريق قطعت عليها في مجلس الامن بالفيتو الروسي الصيني، فكان تحول الى الحديث عن تدخل عسكري اجنبي على الطريقة العراقية أو ما يشبهها أي عمل من خارج مجلس الأمن، وجاء رد محور المقأومة على لسان ايران صاعقا عندما اعلم المعنيين بالشأن ان الاعتداء على سورية بجيش اجنبي سيستدعي تدخل الوحدات المسلحة للمحور كله في المعركة الدفاعية فطوي الملف وبعدها كان الفكر الشيطاني الغربي غير المسبوق في تاريخ الصراعات الدولية، فكراً قاد الى تطويع المرتزقة والمضللين واطلاق المجرمين والمحكومين بالاعدام أو بعقوبات مؤبدة واخراجهم من السجون وارسالهم الى سورية للقتال تحت تسميات شتى، ولكن المحاولة ايضا عجزت عن بلوغ المراد.
بعد كل هذه المحاولات استفاق المعتدون على حقيقة واضحة وهي ان الدولة السورية منيعة تستعصي على السقوط وحالها لا تشبه اي حالة من الحالات التي برعت اميركا في الاعتداء على البلدان فيها من افغانستان الى العراق وليبيا وطبعا لا تشبه حالة لبنان ومن تبقى من دول الثورات الملونة.. فسورية حالة فريدة من نوعها ينتحر من يواجهها من غير ان يفهمها ويفهم تاريخها وواقعها وعمقها وقدراتها على المواجهة.
في ظل هذا الفشل العدواني على سورية انعقد منذ ستة اشهر (في حزيران الماضي 2012) لقاء جنيف بين الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن للبحث عن صيغة - مخرج من الازمة، وقد كان واضحا من سياق النقاش ان المجتمعين ينتظمون في تيارين متعاكسين، حيث سعى تيار العدوان (اميركا وفرنسا وبريطانية) الى اقناع التيار الثاني (روسيا والصين)، للعمل بخطة تلتف على الفشل الغربي في سورية وتؤدي الى تحقيق الهدف الاستراتيجي للعدوان عليها وعلى مراحل تنتهي باعطاء اميركا ما تريد من معاقبة النظام الذي قال لها لا، وتسبب مع حلفائه بافشال سعيها الى اقامة النظام العالم الاحادي القطبية. وابتدعت في هذا اللقاء صيغة «المرحلة الانتقالية» و«الحكومة الانتقالية» حيث تضمنها اعلان جنيف (30 حزيران 2012) وسارعت هيلاري كلنتون لاعلان انتصارها وتقديم تفسيرها للعبارة على اساس انها تضمن الانتقال من نظام يرأسه الرئيس المقأوم بشار الأسد الى نظام لا يكون فيه للرئيس ولمقأومته دور أو وجود، ولكن الروسي الذي يعلم جيدا ان مثل هذا التفسير لا يمكن ان يقبل لدى سورية لانه يشكل انتهاكا لسيادتها وقرارها المستقل، ويعيدها الى مرحلة الانتداب أو الاستعمار، سارع على لسان سيرغي لافروف الى نفي هذا التأويل والتفسير ورفض القبول مجددا بما تريده اميركا ورفض السقوط في الخديعة.
وهنا جمد الاتفاق وعادت اميركا الى الميدان مجدداً ممنية النفس بتحقيق الانجاز العسكري الذي يغنيها عن الاتفاق ويمكنها من تجأوز الاعلان. واطلقت في تموز 2012 خطة «بركان دمشق زلزال سورية»، التي افتتحت بالعملية الارهابية ضد «خلية الازمة السورية». ولكن بعد مضي 6 اشهر على الانطلاق بذاك الهجوم المتعدد المعارك والمحاولات ورغم زج اكثر من 120 ألف مسلح جيء بهم من 29 دولة تحقق المعتدي من فشله بعد ان تمكن الجيش العربي السوري من استيعاب الهجوم تلو الهجوم وامتص الموجة تلو الموجة، وفتك بالقسم الكبير من الارهابيين ما اجبر اميركا على العودة مجددا الى جنيف، وعبرها عادت الى طرح الحل السلمي مخرجا وحيدا من الازمة ولكن كما تفهم هي الحل هذا.
لقد جربت اميركا ومعها كل الاتباع والأدوات والاحلاف كل الطرق واستعملت كل ما يمكن زجه في هذه الحرب الكونية ضد سورية، ولم تستطع ان تحقق اهدافها، ولهذا صعقت عندما انتصب الرئيس الأسد واثقا بنصره فخورا بشعبه وقواته المسلحة واطلق خطة الحل التي تحفظ الحقوق السورية، حل يستند الى واقع الميدان والانجازات العسكرية فيه، حل يقوم على ثوابت سورية التي لا يمكن ان تتخلى عن واحدة منها، فسورية التي لم تتخل عن هذه الثوابت قبل الحرب أو التهديد بها وبالعقوبات، فكيف بها الآن وبعد الاثمان الباهضة التي دفعتها من دماء شعبها و امنهم و مالهم، بل كيف بها وقد جربت الحرب و عانت من العقوبات الوحشية واللاانسانية التي فرضها الغرب ضد الشعب السوري. ان سورية اليوم في تمسكها بثوابتها اقوى واشد بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، وانها مطمئنة للنجاح اليوم بدرجات اعلى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب لذلك فان المخرج الذي يرتسم الآن بعد فشل العدوان وتشكل قناعة معلنة لدى المعتدين بان لا مجال للحل العسكري، فإن المخرج قد يكون وفقاً لأحد السيناريوهات الآتية :
1. الاحتكام الى صندوق الاقتراع الشعبي كمنطلق للحل، والاعتراف بحق الشعب السوري في اختيار نظامه وحكامه وفقا للآلية المعتمدة في الانظمة الديمقراطية في العالم. وهذا هو الحل العقلاني والقانوني والاخلاقي والانساني، الذي ينبغي ان يعمل به وهو الحل الذي طرحه الرئيس الأسد في خطابه الأخير. لكن مع ذهنية غربية استعمارية لا تقيم وزنا لحقوق الآخر ولا تعرف الانسانية الصحيحة، فان الغرب لن يتقبل هذا بسهولة، خاصة ان في تطبيقه خسارة استراتيجية له حيث انه قد لا يجد احدا من عملائه في كراسي الحكم وهو واثق من صعوبة الامر بعد ان أكدته كل استطلاعات الرأي التي اجريت، فالشعب السوري يرفض العملاء والتابعين للاجنبي وبهذا يفسر الموقف الغربي السلبي من خطاب الرئيس الأسد لا بل الصدمة التي احدثها في صفوف المعتدين.
2. التسوية عبر التفاهمات وتأخير اللجوء الى صناديق الاقتراع من اجل تهيئة المناخ المناسب للغرب. لان الغرب ورغم القناعة باستحالة الانتصار فانه قد يرفض الاعتراف العلني بذلك. لذلك سيلجأ الى المنأورة من اجل الابتزاز للحصول على جوائز ترضية تحجب هزيمته، وتحجب الانتصار الكامل لسورية ومحورها وحلفها. سلوك يقوم به مراهناً على حاجة الحكومة السورية الى حل للخروج السريع من الازمة من اجل رفع المعاناة عن الشعب. وقد يكون هنا سعي غربي عبر المؤتمرات أو اللقاءات الدولية لفرض تقاسم السلطة بشكل يتيح لعملاء الغرب تقلد مواقع فيها من غير حاجة الى انتخاب، وهذا ما تسوق له اميركا بعبارة «المرحلة الانتقالية» أو «الانتقال السلمي للسلطة» والتي يعين فيها الحكام تعيينا في المرحلة الأولى ثم يقومون هم بادارة عملية انتخاب تثبتهم في السلطة بعد ذلك كما حصل في بلدان «الربيع العربي المزعوم».
3. مكابرة الغرب ورفض الاعتراف بالهزيمة مباشرة أو مدوارة، وهنا سيعمل على خطين: علني وهمي حيث يبدي فيه استعداده للبحث عن حل سلمي، وخط فعلي خفي يتمثل في الاستمرار في دعم الجماعات المسلحة مع محأولات اعادة مسكها باحكام، مؤملاً بان يئن الشعب السوري بعد تفاقم معاناته وخسائره فيستسلم، و هذا ما يهدد به الابراهيمي دائما ويسميه «الجحيم».
4. ويبقى المسلك الرابع الذي ما زال يرأود ذهن البلهاء من ادوات الغرب الذين لا يصدقون مطلقا ان الوقت تجأوزه و هو املهم بالانتصار عبر العمل العسكري القائم حالياً أو عبر اعادة النظر بالموقف من التدخل الاجنبي، بما يحقق احلامهم باستلام السلطة واقامة الانظمة التي فصلها كل فريق على قياسه..
ان اعتماد اي من هذه المسالك سيبقى رهن متابعة القوات العربية السورية انجازاتها، مع ثبات في مواقف الشعب السوري وحلفائه الحقيقيين، وهنا نذكر بان سورية حققت حتى الآن انتصارين أساسيين: الأول منع العدوان من تحقيق اهدافه، والثاني حمل المعتدي على الاقرار العلني بعقم الحل العسكري واعتبار الحل السلمي هو الخيار الوحيد، وسيكتمل نصرها في حال العمل بالسناريو الأول لهذا سيجهد الغرب في منعه ووضع العراقيل بوجهه. ومع اسقاطنا كليا للسيناريو الرابع، ومع تدني فرص السيناريو الثالث بسبب ما باتت اميركا تخشاه من تعاظم شأن التكفيربين واحتمال فقدان السيطرة عليهم، معطوفا على ما تشهده الادارة الاميركية الآن من تغيير (تعيين جون كيري وزيراً للخارجية، وجاك هايغل للدفاع)، نرى ان الاتصالات الدولية الجارية التي استؤنفت في جنيف في الاسبوع الماضي والحركة الاقليمية التي يقوم بها وزير خارجية ايران، ستتمحور حول اي من الحلول سيعتمد حيث نرجح ان ينحصر التنافس بين الأول والثاني ، والربيع المقبل يحمل الاجابة.
* أستاذ جامعي وباحث استراتيجي